عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

57

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

عصيتك جاهلا يا ذا المعالي * ففرّج ما ترى من سوء حالي إلى من يرجع المملوك إلا * إلى مولاه يا مولى الموالى وقد ألحقت هذين البيتين بثالث فقلت : فإنك أهل مغفرة وعفو * وتواب ومفضال النوال ( الحكاية الثامنة عشرة عن ابن هارون الرشيد ) حكى أنه كان لهارون الرشيد ولد قد بلغ من العمر ست عشرة سنة ، وكان قد وافق الزهاد والعباد ، وكان يخرج إلى المقابر ويقول : قد كنتم قبلنا وقد كنتم تملكون الدنيا ، فما أراها منجيتكم وقد صرتم إلى قبوركم ، فيا ليت شعري ما قلتم وما قيل لكم ؟ ويبكى بكاء شديدا ، وكان رضي اللّه تعالى عنه ينشد : تروّعنى الجنائز كل يوم * ويحزنني بكاء النائحات فلما كان في بعض الأيام مرّ على أبيه وحوله وزراؤه وكبار دولته وأهل مملكته ، وعليه جبة صوف وعلى رأسه مئزر صوف ، فقال بعضهم لبعض : لقد فضح هذا الولد أمير المؤمنين بين الملوك ، فلو عاتبه لعله يرجع عما هو عليه ، قال فكلمه في ذلك وقال : يا بنىّ لقد فضحتني بما أنت عليه ، فنظر إليه ولم يجبه ، ثم نظر إلى طائر وهو على شرافة من شراريف القصر ، فقال أيها الطائر ، بحق الذي خلقك إلا جئت على يدىّ ، فانقضّ الطائر على كفّ الغلام ، ثم قال له : ارجع إلى موضعك ، فرجع إلى موضعه ، فقال بحقّ من خلقك إلا ما سقطت في كفّ أمير المؤمنين ، فما نزل ، فقال له الغلام : أنت الذي فضحتني بحبك الدنيا ، وقد عزمت على مفارقتك ، ففارقه ولم يتزود منه بشئ إلا مصحف كريم وخاتم ، وانحدر إلى البصرة ، وكان يعمل مع الفعلة في الطين ، وكان لا يعمل إلا يوم السبت بدرهم ودانق يتقوّت في كل يوم دانقا ؛ قال أبو عامر البصري : وقد كان وقع في جداري حائط ، فخرجت أطلب من يعمل لي في الحائط ، إذ رأيت غلاما لم أر أحسن منه وجها وبين يديه زنبيل وهو يقرأ في مصحف ، فقلت له يا غلام أتعمل ؟ قال ولم لا أعمل وللعمل خلقت ؟ ولكن أخبرني في أي الأعمال تستعملني ؟ فقلت في الطين ، فقال بدرهم ودانق